استدراكات على مقال «أثر النبؤات الإنجيلية في تشكيل العقيدة الصهيونية»
هذه المواضيع تتطلب إلمامًا عميقًا بالنبؤات في العهدين القديم (التوراة) والجديد (الإنجيل)، بالإضافة إلى معرفة لاهوتية دقيقة حول كيفية تأثير تلك النبؤات على تشكيل العقائد المسيحية والصهيونية. وعليه، سأقوم هنا بتوضيح بعض النقاط التي تحتاج إلى مراجعة وتصحيح.
استدراكات على مقال «أثر النبؤات الإنجيلية في تشكيل العقيدة الصهيونية»
في الثامن عشر من الشهر الجاري، نشر الدكتور سلام عودة المالكي في صحيفة “العالم الجديد” مقالًا بعنوان “أثر النبؤات الإنجيلية في تشكيل العقيدة الصهيونية”. ورغم أن العنوان يبدو ضخمًا، إلا أن المقال يفتقر إلى بعض الدقة اللاهوتية والتاريخية التي كان من المفترض أن يتمتع بها. فمثل هذه المواضيع تتطلب إلمامًا عميقًا بالنبؤات في العهدين القديم (التوراة) والجديد (الإنجيل)، بالإضافة إلى معرفة لاهوتية دقيقة حول كيفية تأثير تلك النبؤات على تشكيل العقائد المسيحية والصهيونية. وعليه، سأقوم هنا بتوضيح بعض النقاط التي تحتاج إلى مراجعة وتصحيح.
أولًا: النبؤات في العهد القديم
عند الحديث عن “النبؤات في العهد القديم”، المقصود بذلك هو ما ورد في كتب الأنبياء مثل إشعياء، إرميا، وحزقيال، وغيرها من أسفار العهد القديم. هذه النبؤات كانت تتعلق بمستقبل شعب إسرائيل ووعود إلهية تخصهم بشكل خاص، وأحيانًا ترتبط بأحداث تاريخية محددة. كما أن هناك نبؤات تُعتبر “مسيانية”، أي أنها تتعلق بمجيء المسيح المنتظر، وهي التي يتم تفسيرها في العهد الجديد على أنها تحققت في شخص يسوع المسيح.
ثانيًا: النبؤات الإنجيلية
من غير الدقيق استخدام مصطلح “النبؤات الإنجيلية” للإشارة إلى نبؤات العهد القديم. في السياق المسيحي، مصطلح “النبؤات الإنجيلية” يشير عادة إلى النبؤات التي وردت في الإنجيل حول المجيء الأول للمسيح، وقد تتعلق أيضًا بالمجيء الثاني له. لذلك، عندما يستخدم الكاتب مصطلح “النبؤات الإنجيلية” لوصف نبؤات العهد القديم، فهذا يعد لبسًا لغويًا وتاريخيًا. من الأفضل إيضاح الفرق بين “النبؤات المسيانية” في العهد القديم و”النبؤات الإنجيلية” في العهد الجديد.
تصحيح الفهم حول مواقف الإنجيليين من إسرائيل
من المهم التأكيد على أن مواقف الإنجيليين من إسرائيل ليست متجانسة ولا يمكن اختزالها في صورة واحدة. كنت ذكرت في مقالتي السابقة في “العالم الجديد” في الثالث والعشرين من شهر أيلول الحالي، ليس كل الإنجيليين يؤيدون إسرائيل بشكل موحد. هناك اختلافات كبيرة بين المذاهب اللاهوتية الإنجيلية في مواقفهم تجاه الدولة العبرية. على سبيل المثال، لا يعتبر جميع الإنجيليين أن هناك علاقة لاهوتية مباشرة بين إسرائيل الحديثة والنبؤات الكتابية. فكانت مقالتي السابقة تمهيدًا لتصحيح مجموعة من الأفكار التي تسيء إلى الموقف المسيحي الإنجيلي من إسرائيل بالكثير من التشنج والنظرة الضيقة، قبل استدراكي على المقال الحالي.
تصحيح الخلط بين مارتن لوثر ومارتن لوثر كينغ
من الأخطاء التي وقع فيها الكاتب هو الخلط بين مارتن لوثر (1483 – 1546)، المصلح البروتستانتي، ومارتن لوثر كينغ (1929 – 1968)، الناشط الحقوقي الأمريكي. مارتن لوثر كان مصلحًا دينيًا في القرن السادس عشر، وقد عُرف بمواقفه المعارضة لليهود في بعض كتاباته، ولم يكن مؤسسًا لما يسمى بـ “الطائفة الإنجيلية” كما قد يُفهم من بعض التوصيفات. وعلى العكس، مارتن لوثر كينغ كان ناشطًا في مجال الحقوق المدنية ولم يتخذ مواقف لاهوتية حول إسرائيل أو القضايا الدينية المتعلقة بها. لذلك، من الضروري تصحيح هذا الخلط التاريخي.
تصحيح التصور حول تأييد إسرائيل
المقال يشير إلى أن “الحركة الإنجيلية” تدعم إسرائيل بشكل عام، وهو أمر يحتاج إلى تصحيح. الحركة الإنجيلية تتنوع بشكل كبير في مواقفها من إسرائيل. بينما يرى بعض التيارات الإنجيلية أن إسرائيل ستكون جزءًا مهمًا من الأحداث المستقبلية في إطار عودة المسيح، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة دعم السياسات الإسرائيلية الحالية. هناك أيضًا تيارات لاهوتية مناهضة للسياسات الإسرائيلية، مثل اللاهوت التحرري واللاهوت المسيحي العربي.
خاتمة
الجزء الأخير من مقال الدكتور سلام يبتعد عن الموضوع الرئيس ويتحول إلى حديث إنشائي حول الصراع العربي الإسرائيلي، وهو بعيد عن النقاش اللاهوتي حول تأثير النبؤات الإنجيلية على العقيدة الصهيونية. الموضوع كان يجب أن يتم تناوله من منظور لاهوتي وتاريخي دقيق. وأؤكد على ضرورة أن يتصدى لمثل هذه المواضيع مختصون في اللاهوت وعلم الكتاب المقدس لإثراء النقاش بشكل علمي ومدروس.
رمزي ناري: كاتب ومترجم ومصوّر عراقي يقيم في عمّان
ملاحظة : المقالة تُعبّرُ عن رأي صاحبها ، وحق الرد مكفول .