مسموح إطعام الناخبين !
سمحت مفوضية الانتخابات للمرشحين في العراق بتوزيع “الطعام” على الناخبين خلال فترة الحملات الانتخابية، معتبرة أن هذا السلوك لا يشكّل مخالفة قانونية ما دام التمويل من أموال المرشح الخاصة
مسموح إطعام الناخبين !
سمحت مفوضية الانتخابات للمرشحين في العراق بتوزيع “الطعام” على الناخبين خلال فترة الحملات الانتخابية، معتبرة أن هذا السلوك لا يشكّل مخالفة قانونية ما دام التمويل من أموال المرشح الخاصة، كما أنها لم تدرج السلات الغذائية التي توزعها القوى السياسية ضمن سقف الإنفاق الانتخابي، وهي طريقة ينخرط فيها بقوة، محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء الساعي إلى ولاية ثانية مهدّدة.
هذا القرار فتح الباب أمام واحدة من أكثر أدوات الدعاية الانتخابية نفاذاً في مجتمعٍ يعاني فيه نحو ربع السكان من الفقر، وأكثر من 1.4 مليون شخص من استهلاك غذائي غير كافٍ، وفق بيانات برنامج الأغذية العالمي. وفي بلدٍ تُظهر فيه تقارير أممية أن 16 بالمئة من السكان يعانون من نقص التغذية، وأن عشرات الآلاف من الأسر تقلل من إنفاقها على الطعام بسبب الجفاف أو ضعف الدخل، ووفقاً لهذه المعطيات، لا يمكن النظر إلى توزيع السلات الغذائية بوصفه فعلاً محايداً أو اجتماعياً يتعلق بالكرم، بل أداة تأثير سياسي فعّالة في بيئة هشّة.
وليس غريباً أن تكون المناطق الأفقر في العراق هي ذاتها التي تحتضن كتلاً انتخابية كبيرة وتشهد نسب مشاركة مرتفعة. هذه المناطق، الممتدة من محافظات الجنوب إلى أطراف المدن الكبرى، تتحول خلال المواسم الانتخابية إلى ساحات مفتوحة لحملات توزيع المواد الغذائية. لا يحتاج المرشح في هذه البيئات إلى خطاب سياسي متماسك أو برنامج انتخابي مقنع، بل يكفي أن يقدّم كيس رز كي يضمن تفضيلاً انتخابياً، في بيئة ترتبط فيها أصوات الناس بحاجاتهم اليومية المباشرة.
القانون الانتخابي الذي يركّز على مصدر التمويل ويُغفل طبيعة الفعل يمنح غطاءً قانونياً لهذا السلوك، متجاهلاً أن الفقر ليس حالة حيادية، بل بيئة هشّة تجعل أي مساعدة أداة ضغط مباشرة على الناخبين.
وفي الممارسة الديمقراطية، لا يمكن اعتبار ما يحدث معاملة متكافئة بين طرفين سياسيين (ناخب ومرشح)، بل شكل من أشكال الشراء الصامت للأصوات، لا يقوم على الوعود أو التهديد، بل على الجوع نفسه الذي تسبب به السياسيون المجربون أنفسهم.
هذا النوع من الدعاية لا يقتصر على تكريس علاقة تبعية بين المواطن والمرشح، بل يذهب إلى السماح الصريح بإذلال قطاعات واسعة من الناس، من خلال استغلال حاجتهم الأساسية إلى البقاء، ذلك أن الطعام ليس سلعة عادية، بل حاجة أساسية إلى البقاء.
وليس الطعام وحده هو ما يُستغل، ففي مناطق واسعة من العراق، حيث العطش جزء من الحياة اليومية، باتت صهاريج المياه وسيلة انتخابية بديلة. يرسل مرشحون الماء إلى القرى والمناطق العطشى، كأداة لاستمالة الناس، بينما الماء في بلد يحتوي نهرين هو حق أساسي في الحياة لسكانه. هذه الممارسات لا تنفصل عن واقعِ انهيار بيئي واقتصادي جعل الحاجات الأساسية، كالغذاء والماء، ورقة سياسية بيد من يملك الموارد.
الخطير في هذا الواقع أنه لا يعبّر فقط عن هشاشة، بل عن إنكار متعمّد لها أيضاً. فحين تتحول أزمة المعيشة إلى أداة انتخابية، يصبح وجود الأزمة نفسه مصلحة سياسية؛ وبالتالي لا أحد يسعى إلى حلّها جذرياً، بل إلى إدارتها ظرفياً لكسب الأصوات .
المصدر : نشرة JUMMAR