العنف ضد الأطفال للإنتقام من الزوجة أو الطليقة

إن ظاهرة العنف ضد الأطفال في ليست جديد إلا أنها أخذت منحىً خطيراً في السنوات الأخيرة لاسيما بعد تعديل قانون الأحوال الشخـصية رقم (188) لسنة 1959 المعدل لأسباب طائفية

Blog

العنف ضد الأطفال للإنتقام من الزوجة أو الطليقة 

العنف هو إستعمال وسائل الإكراه المادية بصورة غير قانونية لتحقيق أهداف شخصية أو جماعية ، وعرفت منظمة الصحة العالمية (UNICEF) العنف بأنه :"اإستعمال المتعمد للقوة البدنية أو القدرة سواءاً بالتهديد أو الإستعمال الفعلي لها من قبل شخص ضد نفسه أو ضد شحص آخر أو ضد مجموعة أو مجتمع ، بحيث يؤدي أي منهما الى حدوث أو رجحان إحتمال حدوث إصابة أو موت أو إصابة نفسية أو سوء التمو  أو الحرمان .

أما العنف ضد الطفل هو أي شكل من أشكال سوء المعاملة أو الضرب أو الإعتداء الذي يتعرض له الطفل / الطفلة ، دون الثامنة عشر من العمر بصورة إنفعالية أو عصبية أو عدائية تترك أثراً  ظاهراً على النمو الجسدي أو النفسي والإهمال المتعمد ، لذا شُرِّعت مجموعة من الإتفاقيات والإجراءات التي تحدُّ من ظاهرة العنف ضد الأطفال في القوانين الوطنية والدولية مثل إتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل(اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 44/25 المؤرخ في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1989 تاريخ بدء النفاذ: 2 أيلول/سبتمبر 1990، وفقا للمادة 49) والبروتوكولان الملحقان بها المعتمدة من الجمعية العامةللأمم المتحدة في 25 مايو 2000 ،  إذ صادق العراق عليها على وفق القانون رقم (3) لسنة 1994 ، ألزمت الدول الأطراف القيام بواجباتها وإلتزاماتها الدولية المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية للإنسان وعلى وجه خاص الأطفال لأن هذه الحقوق تتصف بالدولية وتخضع للحماية الدولية من الإنتهاك .

وفي سنة 1982 تأسست في العراق هيئة رعاية الطفولة من وزارات العمل والشؤون الإجتماعية والعدل والتربية والصحة والثقافة والتخطيط والخارجية وممثلين من جمعية الهلال الأحمر العراقية ، بعد صدور قرار منظمة الأمم المتحدة الذي عدَّ سنة 1979 عاماً للطفولة . فضلاً عن الضمانات الواردة في الدستور  ، كما نصت إتفاقيات جنيف 1949وبروتوكوليها الإضافيان 1977على تطبيق القانون الإنساني الدولي لحماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة الدولية وغير ذات الطابع الدولي .كما إعتمدمجلس الامن التابع لمنظمة الامم المتحدة القرار 1261(1999) الذي ندد بشدة إستهداف الاطفال في النزاعات المسلحة ، ومنع القرار قتل وتشويه الأطفال ، والعنف الجنسي ، والإختطاف والتشريد القسري ، وتجنيد الأطفال وإستغلالهم في النزاع المسلح ، كما إعتمد مجلس الأمن القرار 1314(2000) الذي حدد الخطوط الرئيسة لحماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة .

إن ظاهرة العنف ضد الأطفال في ليست جديد إلا أنها أخذت منحىً خطيراً في السنوات الأخيرة لاسيما بعد تعديل قانون الأحوال الشخـصية رقم (188) لسنة 1959 المعدل لأسباب طائفية ، فأصبح الطفل ضحية الخلافات الزوجية ، وإداة  إنتقام بيد الزوج للإنتقام من طليقته بعد أن خفض تعديل القانون سن الحضانة للزوجة الى (7) سنوات ، بينما قانون الأحوال الشخصية العراقي قبل التعديل كان يمنح الحضانة للأمّ حتى سنّ العاشرة مع منح الحق للمحكمة في تمديدها حتى سنّ الخامسة عشرة إذا ثبت لها من خلال تقارير اللجان المختصة أنّ مصلحة الصغير تقتضي ذلك. وفي سنّ الخامسة عشرة، يُخيّر الصغير في الإقامة لدى من يشاء من أبويه أو أحد أقاربه حتى سنّ الثامنة عشرة إذا آنست المحكمة منه الرشد في الاختيار.، وبسبب تطبيق الحكم الشرعي تُظهر الوقائع الميدانية أن حالات العنف الأسري ضد الأطفال آخذة بالازدياد، بعضها بلغ مراحل خطيرة وصلت إلى التعذيب أو القتل ، وهو ما يثير تساؤلات جادة حول مدى كفاية النصوص القانونية القائمة في ردع المعتدين وحماية الضحايا الصغار. فجمود النص وعدم منح القاضي صلاحية فورية في سحب الحضانة قد يفتح الباب أمام استمرار الانتهاكات لاسيما في ظل غياب آليات رقابة أسرية فعالة.

تروي هديل قاسم:بمجرّد التصويت على ​​"المدوّنة الشرعية للفقه الجعفري"، نهاية آب/ أغسطس 2025، وبعد سنوات القطيعة وتربية طفلها الثاني بمفردها، أرسل لها طليقها الثاني رسالةً غامضةً: "وما الفرج إلا قريب"، هكذا كتب، وحين سألته ما قصدك، صدمها بردّه: "أريد ابني… وسآخذه للعيش مع إخوته في ذي قار". تروي: "صعقتني رسالته، فقد كانت أشبه بضربة على رأسي هزّت كياني"، متساءلةً: "أين كان هذا الأب حين كنت أسهر الليالي على بكاء طفلنا؟ وأين كان حين كنت أقطع لقمة العيش التي آكلها لأوفر له الدواء والدفء؟ هل يتذكّر وجه ابننا أصلاً ؟ بعد كل هذه السنوات يريد أن يأخذه؟ وهل الأمر بهذه البساطة؟". ثم تستطرد: "لا القانون ولا 'المدوّنة الجعفرية' ولا أيّ قوّة في العالم يمكنها أن تسلبني ولدي. سألجأ إلى العرف العشائري بمساندة عائلتي، ولدي ليس حقاً للأب يستردّه برسالة ومدوّنة، بل هو حياة كاملة عشتها لأجله. لن أخضع لمدوّنة ذكورية، ومستعدة لفعل أي شيء ولن أتنازل عنه". قصة هديل، ومثيلاتها من القصص، تختصر واقعاً معقّداً تعانيه النساء العراقيات في أعقاب تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 1 لسنة 2025 الذي تم التصويت عليه في 21 كانون الثاني/ يناير 2025، والذي أتاح تطبيق "المدوّنة الجعفرية" على نطاق أوسع، بعد أن صوّت عليها مجلس النواب العراقي في 27 آب/ أغسطس 2025، وقد جاءت في 337 مادةً مقسمةً على خمسة أبواب.() تفاصيل القصة منشورة على موقع رصيف 22 بتاريخ 9/9/2025 ، يقول الباحث والخبير القانوني المتخصّص في قانون الأحوال الشخصية، علاء حسين*، في حديث خاص إلى رصيف22، إنّ هذه التعديلات تؤدّي إلى تبعات اجتماعية وقانونية خطيرة تمسّ بنية الأسرة العراقية وحقوق النساء على وجه الخصوص، بسبب مجموعة من المؤاخذات على تطبيق المدوّنة، وأتوقع جملةً من الآثار "الوخيمة جداً" التي ستحصل في القريب العاجل بالإضافة إلى ما ظهر إلى العلن من مشكلات منذ التصويت على تعديل القانون. فضلاً عمّا سبق، يشير الخبير إلى أنّ المدوّنة قيّدت التطليق للشقاق والضرر إذ لم يعد بإمكان المرأة الحصول على الطلاق بسبب الإيذاء أو الشقاق إلا بموافقة المرجع الديني، وهو ما يضاعف معاناة النساء المعنَّفات. وتحذّر باحثة في مجال حقوق المرأة من أنّ "الكثير من الرجال يفكّرون بطريقة انتقامية وينظرون إلى هذه المدوّنة كوسيلة لإيذاء زوجاتهم أو طليقاتهم عبر الابتزاز والمساومة على حضانة الأبناء أو الحقوق الزوجية والحقوق المترتبة عن الطلاق" .

حسم القضاء: 681 ألف حالة طلاق منذ 2004 حتى 2011 و أن عدد حالات الطلاق في العراق خلال الفترة من 2021-2024، باستثناء إقليم كوردستان، بلغ 357,887 حالة ، بعد تعديل قانون الأحوال الشخصية تم تسجيل أكثر من 60 ألف حالة طلاق أنجز القضاء منها 12914 قضية .

تداولت مواقع التواصل الإجتماعي فلماً فديوياً لوحش بشري وهو يعنف ابنته بطريقة ليس للإنسانية فيها أية صلة  ، ويصور هذه الحفلة الوحشية ويرسلها الى زوجته او طليقته للإنتقام منها ، وقامت السلطات المحتصة بالقبض عليه لإتخاذ الإجراءات القانونية بحقه .

 ان المركز العراقي لحقوق الإنسان إذ يستنكر هذا الفعل الشائن والأفعال التي تَستغِل التشريعات الطائفية وإنتشار تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية التي تسبب المشاكل الزوجية والطلاق ثم للعنف وتعريض حياة الأطفال والزوجات الى الخطر  ، يؤكد أن القوانين في المجتمعات المدنية تُسّنُ لخدمتها وليس لتدمير نسيجها الإجتماعي ، ومتى ما ظهرت للتشريع عيوب أو مخاطر يجب على السلطة المبادرة الى إعادة التوازن بين الحقوق والواجبات ومنع إستخدام التشريع وسيلة للإنتقام .

إذ يتعرض أربعة من كل خمسة أطفال في العراق، أي نحو 84 بالمئة من الفئة العمرية 1–14 سنة، لشكل من أشكال العنف الأسري، وهذا العنف قد يتمثل بالصراخ والتهديد والإهانة، أو بالضرب والعقاب الجسدي المباشر.

يضع تقرير اليونيسف الصادر عام 2024 العراق بين الدول الأعلى في المنطقة من حيث انتشار "التأديب العنيف". النسبة أعلى قليلاً بين الذكور مقارنة بالإناث، لكنها تكشف في كل الأحوال عن واقع يهدد الصحة النفسية للأطفال ويهدد مستقبلهم.

وعلى وفق التقرير، فإن العنف داخل البيت لا يقتصر على لحظته؛ بل يترك أثره في ثقة الطفل بنفسه، وفي تحصيله الدراسي، وفي سلوكه الاجتماعي، وحتى في احتمال لجوئه لاحقاً إلى العنف كوسيلة للتواصل.وتتحمل السلطة مسؤولية تفاقم هذه المشكلة لعدم وضع الحلول الناجعة للقضاء عليها . ومنها إعادة النظر  بإلغاء تعديل قانون الأحوال الشخصية والمدونة الجعفرية بعد المشاكل التي نتجت عنهما في مجتمع تدعي السلطة أنها تمثله .

د. سهيل أحمد أمين

المدير العام

1/112025