أحمد بالدي... جسدٌ احترق لتُسمَع صرخة الأحواز
اللحظة التي أشعل فيها أحمد النار لم تكن فعلًا انفعاليًا بقدر ما كانت ذروة إحباطٍ متراكمٍ وشعورٍ بالخذلان من نظامٍ لم يترك للناس سوى الجسد وسيلةً للتعبير.
أحمد بالدي... جسدٌ احترق لتُسمَع صرخة الأحواز
تقرير اخباري من الجبهة العربية لتحرير الأحواز خاص بصرخة الشاب الأحوازي الذي ضيّق عليه وعلى امثاله النظام الإيراني في الحصول على لقمة عيش بكرامة:
في صباح الثاني من نوفمبر 2025، تحوّلت حديقة الزيتون في البلدية الثالثة لمدينة الأحواز إلى مسرحٍ لحادثةٍ هزّت الضمير الإنساني قبل أن تُصدم بها العيون. الطالب الجامعي أحمد بالدي، ابن مدينةٍ أنهكها الفقر والتهميش، أشعل النار في جسده بعدما شاهد والدته تُهان ووالده يُجبر على رؤية كشكهم الصغير يُهدم أمام أعينهم. كان ذلك الكشك هو مصدر رزق العائلة الوحيد، وملاذها من بطالةٍ تحاصر الشباب في كل زاوية من الإقليم.
اللحظة التي أشعل فيها أحمد النار لم تكن فعلًا انفعاليًا بقدر ما كانت ذروة إحباطٍ متراكمٍ وشعورٍ بالخذلان من نظامٍ لم يترك للناس سوى الجسد وسيلةً للتعبير.
هرع المارة لمحاولة إنقاذه، ونُقل إلى المستشفى في حالةٍ حرجة، لكن صدى الحريق تجاوز المكان والزمان، وانتشر كرمزٍ لصوتٍ أراد أن يُسمَع حين خُنقت كل الأصوات. هذه المأساة لا يمكن اختزالها في مشهدٍ واحد، لأنها نتاج واقعٍ سياسي واجتماعي طويل من الإقصاء.
الأحواز، الغنية بالنفط والمياه، تُعدّ اليوم واحدة من أكثر المناطق معاناةً من البطالة والتلوث البيئي والفقر. تُهدم وسائل أرزاق الفقراء بحجة “عدم الترخيص”، ويُحرم الشباب من فرصٍ عادلة في التعليم والعمل، فيما تُصادر أراضي القرى العربية ويُهمّش أهلها في اتخاذ القرار. كل ذلك جعل الإحباط في الإقليم ليس حالة نفسية، بل بنيةً اجتماعيةً تُنتج اليأس جيلاً بعد جيل. ما فعله أحمد بالدي لم يكن مجرد فعل احتجاجي، بل فعل كشفٍ للواقع؛ كشفٍ عن هشاشة منظومةٍ تحكم بالقوة لا بالثقة، وتردّ على المعاناة بالتجاهل بدل الإصغاء. ففي الأنظمة التي تكمّم الأفواه، تتحول النار إلى لغةٍ سياسيةٍ بديلة. لكن السؤال الأخطر هنا هو: هل تصغي سلطة الاحتلال الإيراني إلى هذه اللغة؟ أم ترى فيها فقط حادثة عابرة تُطوى في تقارير الشرطة؟
المأساة التي شهدتها الأحواز كتُذكّر بأن القهر حين يتراكم يفقد الناس خوفهم من الألم. فالشاب الذي أحرق جسده لم يكن يسعى إلى الموت، بل إلى معنى الحياة في مكانٍ تُهان فيه الكرامة علنًا وتُهدم فيه الأرزاق باسم القانون. لقد أراد أن يقول إن الاحتراق أهون من البقاء في صمتٍ مطبق. ورغم قسوة الفعل، فإن النار التي التهمت جسد أحمد لم تُطفأ في الوعي الجمعي، بل تحولت إلى سؤالٍ أخلاقي وسياسي لا يمكن تجاهله: كيف وصلت العلاقة بين المواطن الأحوازي والمحتل الإيراني إلى هذا الحد من الانقطاع؟
كيف صارت السلطة في وادٍ، والمجتمع في وادٍ آخر؟
مثل هذه الحوادث المأساوية لا تضعف الأنظمة بقدر ما تفضحها، لأنها تُعرّي صلابة القهر وتُظهر هشاشة العدالة. فالنظام الذي يحتاج إلى إذلال الناس ليحافظ على وجوده، هو في الحقيقة نظام يعيش على خوفهم لا على رضاهم. والاحتراق الذي ظنه فعلًا فرديًا قد يكون بداية وعيٍ جمعيّ يرى أن الجرح الأحوازي لم يعد احتمالًا صامتًا، بل نداءً مفتوحًا من أجل الكرامة والحقّ والعدالة.
الجبهة العربية لتحرير الأحواز