التهجير القسري وتداعياته ... العراق إنموذجاً
يؤكد العديد من الباحثين إن الأزمات بشكل عام والفترة التي تعقبها بشكل خاص تسبب في حدوث آثار نفسية واجتماعية وصحية مؤلمة للمجتمع تنعكس على الاستقرار النفسي لإفراده وتوافقهم الاجتمــاعي، مــثل الــشعور بالــخوف والــهلع والحــزن والإحباط والــفشل والاكـــتئاب والـتوتر والقلق من المستقبل المجهول والخوف من مصادر الخطر وعدم الاطمئنان للآخرين وسهولة الإصابة بالأمراض الجسمية.
التهجير القسري وتداعياته ... العراق إنموذجاً
تُعدُّ جريمة التهجير القسري من الجرائم القديمة ، وستبقى مستمرة ما دام هناك صراع بين البشر على الموارد، والثروة، والسلطة، لكنها كانت قديما بدون عقاب وكان المهزوم يخضع لإرادة المنتصر ومشيئته في كل شيء، غير أن تطور المجتمع الدولي والسعي إلى الحد من الآثار الناجمة عن الحروب، وتخفيف المآسي عن البشرية دفعت المجتمع الدولي، والفقهاء، والقضاء إلى تجريم التهجير القسري عبر تعريفه وتحديد معناه وتسليط الضوء على آثاره المتمثلة بالنزوح واللجوء وصولاً إلى تشريع قانون جنائي دولي يعاقب على هذه الجريمة. وإن الإحاطة بمفهوم جريمة التهجير القسري ومعرفة ماهيته، وأسبابه، وطريقة ممارسته تستوجب معرفة تعريف الفقهاء، والقضاء الجنائي الدولي المؤقت والدائم لها.
المطلب الاول
التهجير القسري في الفقه القانوني
عرف بعض الفقهاء التهجير القسري بأنه : (نقل السكان المدنيين من وإلى أماكن غير أماكنهم الأصلية ، أو هو إبعاد المدنيين من منطقة محتلة إلى منطقة أخرى ويعتبر الإبعاد داخليا إذا نقل الأشخاص الملرحين إلى موقع آخر في البلد نفسه .) وما بعدها ، بينما يميز بعض الفقه بين الترحيل والنقل القسري ويرى أن الترحيل يكون بالنقل إلى ما وراء حدود الدول أما النقل القسري فيتم ضمن إقليم الدولة نفسها ، ويرى آخرون أن مفهوم التهجير وتحديد معناه يختلف في حالة النزاعات المسلحة الدولية عن حالة النزاعات المسلحة الداخلية ففي حالة النزاعات الدولية المسلحة يعرّف بأنه : (عمليات النقل القسرية الفردية أو الجماعية وترحيل الأشخاص المقيمين في المناطق المحتلة إلى أراضي سلطة الإحتلال أو الأراضي التابعة لأية دولة أخرى سواء كانت محتلة أم لا بصرف
النظر عن الوقائع .) وأما في حالة النزاعات الداخلية فيعرّف بأنه : (إجبار مجموعة من السكان تقيم بصورة قانونية على أرضها وفي ديارها على الإنتقال إلى منطقة أخرى ضمن الدولة نفسها أو خارجها بناء على منهجية وتخطيط وإشراف الدولة أو الجماعات التابعة لها أو جماعات أخرى أقوى ، في مسعى للتطهير يقوم على أساس التمييز العرقي أو الإثني أو القومي أو الديني أو حتى التوجه السياسي في تلك اللنطقة التي يتم إبعاد السكان منها ، ومهما إختلفت الآراء في تحديد مفهوم التهجير القسري الا أنه لا يخرج عن كونه عبارة عن سياسة مدبرة لحكومة دولة ما تهدف إلى إقصاء السكان المدنيين الخاضعين لسلطاتها قسرا خارج حدود وطنهم سواء تم ذلك بصورة مباشرة فردية، أو جماعية، أو زرع مستوطنين بهدف تشكيل بنية ديمغر افية أو فرض واقع سياسي جديد على ذلك الإقليم ، وأن معظم عمليات التهجير تنطوي غالبا على جلب مستوطنين يحلون محل السكان الأصليين الذين تم تهجيرهم ويقطنون في نفس مساكنهم وقد يكون المستوطنون الجدد من نفس البلد أو خارجها الا أنهم يختلفون عنهم في العرق أو الطائفة أو غيرها من الأسباب التي دعت إلى تهجيرهم وبالتالي الإستيلاء على مساكنهم وإشغالها بدون عقد او اذن مسبق .
وتُعرِّف الأستاذة Saulnier Bouchet Françoise الإبعاد بالقول : (هو نقل المدنيين بالقوة أو الأشخاص الآخرين المشمولين بالحماية بموجب اتفاقيات جنيف , التي يقيمون فيها إلى منطقة تابعة لسلطة الإحتلال أو منطقة أخر سواء محتلة أو لا وهويختلف عن نقل السكان الذي يصف النقـل القسـري داخــــل الإقليم. ) ، ويتبين من هذه التعاريف أنها ليست شاملة إذ لم تُفرِّق بين الترحيل (النزوح) والإبعاد (التهجير القسري) ، كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وبين مصطلحي الترحيل والإبعاد في حالة الإحتلال أو حالة الهجمات العسكرية ، واتفق عدد من فقهاء القانون الجنائي الدولي على أن مصطلح الإبعاد أو النقل القسري والترحيل القسري هي في حقيقة الأمر تعبر عن مفهوم واحد . وأما الدكتور أبو الخير أحمد عطية فيعرفه بأنه :): ترحيل الأشخاص المحميين بموجب الإتفاقية الرابعة من اتفاقيات جينيف 1949 الخاصة بحماية المدنيين الموجدين تحت الإحتلال من الأراضي المحتلة إلى أماكن أخري بعيدة سواء كانت داخل وطنهم أو خارجه , بقصد إبعادهم عن ديارهم وذلك لإحلال سكان الدولة المحتلة محلهم , إذ يعتبر هذا العمل منافيا لحرية السكان وكرامتهم المكفولة بموجب القواعد الدولية ، ويعرف الدكتور رشاد عارف السيد الترحيل والإبعاد القسرى بأنه : ( السياسة المدبرة والتدخل المباشر أو غير المباشر لحكومة دولة ما أو سلطة ما لإقصاء سكان المدنيين الخاضعين لسلطتها قسرا خارج حدود و طنهم سواء تم ذالك بصورة فردية أوجماعية).
النبذة الأولى - التهجير القسري في النظم الأساسية والإتفاقيات الدولية
بُذلت جهود حثيثة خلال القرن التاسع عشر لعقد العديد من الإتفاقيات الثنائية والدولية، والمؤتمرات الدولية وصدرت التوصيات والإعلانات التي ساهمت في حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية أثناء النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية ، لترسخ القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني تدريجياً. وتعدُّ جريمة التهجير القسري من أخطر الجرائم التي تواجه المجتمع الدولي الذي عمل على وضع الحلول لها وتقليل آثارها. ويُعدُّ احترام قواعد القانون الدولي الإنساني إحدى الحلول لتلافي حدوثها ، لإحتوائه على قواعد أساسية توفر الحماية لضحايا التهجير ليس بصفتهم هذه، وإنما بصفتهم مدنيين وفيه أحكام واضحة تمنع التهجير القسري ، وشهدت دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية رغبة وتقدماً واضحاً للإنضمام إلى الإتفاقيات الدولية منها والإقليمية المعنية بحماية حقوق الإنسان ، وسادت ثقافة مشروعية حقوق الإنسان واحترامها في أنحاء العالم واخذت حقوق الإنسان طابعاً قانونياً بعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948، وعُدّت خطوة هامة لتدوين وتطبيق حقوق الإنسان ، وخطت نحو تكريس نشوء عهد التنظيم الدولي الذي لم يتبلور بشكل فاعل إلا بعد إنشاء هيئة الأمم المتحدة في 24 إكتوبر 1945، بعد أربعة أشهر من إنتهاء مؤتمر سان فرانسيسكو ، وبعد أن صدّقت على ميثاقها كلاً من الصين وفرنسا والإتحاد السوفيتي السابق والمملكة المتحدة والولايات المتحدة فضلاً عن غالبة الموقعين الآخرين ، إلا أن هذا الإعلان لم يُعرّف جريمة التهجير القسري لكن أشار بصورة غير مباشرة في الديباجة التي تؤكد على حقوق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة المتأصلة في بني البشر . ونصت المادة (3/1) من الميثاق على أن : (لكل فرد حق في حرية التنقل وفي اختيار محل إقامته داخل حدود الدولة). واعتمد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 40/144 في 13 ديسمبر 1985 ، الحقوق الخاصة بالأفراد الأجانب في إقليم الدولة التي يعيشون فيه إذ نص في المادة (7) منه على ما يأتي: (لا يجوز طرد الأجنبي الموجود بصورة قانونية في إقليم دولة ما، من ذلك الإقليم إلا بموجب قرار يتم التوصل إليه وفقاً للقانون ... الخ). إلا أنه لم يتطرق إلى تعريف جريمة التهجير القسري، كما أن إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الملجأ الإقليمي المعتمد بالقرار المرقم 2312 (د/22) في 14 ديسمبر 1967 لم يورد تعريفاً لجريمة التهجير القسري.
النبذة الثانية - جريمة التهجير القسري في الإتفاقيات الدولية
تُعّد إتفاقية جنيف لسنة 1864 الإتفاقية الأولى ذات السمة العالمية لتحسين حال الجرحى والنرضى بالقوات المسلحة بالميدان ، وتم مرجعتها بشكل كبير والإسعاضة عنها بنسخة سنة 1906 ثم اتفاقيتا جنيف لسنة 1929، تناولت الأولى الموضوع نفسه الذي تناوله اتفاقيتي 1864و1906 والثانية تتعلق بمعاملة أسرى الحرب ، وأن نشوب النزاعات المسلحة وتطورها منذ سنة 1949 ، لم تعد تضمن الحماية الكافية لجميع الضحايا ولا سيما المدنيين منهم فكان لابد من إكمالها وتطويرها بنصوص جديدة ، وفي 8 يونيو 1977تبنى مؤتمر دبلوماسي عقد في جنيف بروتوكولين إضافيين الى إتفاقيات جنيف الأربعة ، الاول تناول حماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة والثاني تناول المنازعات الدولية غير المسلحة والتي تُعدُّ اللبنة الأولى للقانون الدولي الإنساني
وكانت اتفاقيات لاهاي 1899 و1907 الخاصة بإحترام قوانين وأعراف الحرب البرية قد عُدت تطوراً تدريجياً وأساسياً لتوقيع العديد من الإتفاقيات والبروتوكولات المعنية بحقوق الإنسان فيما بعد ولم تورد هذه الإتفاقيات أي تعريف لجريمة التهجير القسري ، وتبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها بالقرار 260/ أ(د-3) في 9 ديسمبر ، الذي أصبح نافذاً في 12 يناير 19511948 وجاء في المادة الثانية منها ما يأتي : (المادة -2): تعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال الآتية المرتكبة بقصد القضاء الكلي أو الجزئي على جماعة قومية أو أثنية أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه، هـ- نقل الأطفال قسراً من جماعة إلى جماعة أخرى). ولم يرد تعريف لهذه الجريمة في هذه الإتفاقية. إنما نصت على أفعال يكون ارتكاب أي منها جريمة إبادة، والتهجير قسراً هو أحد الأفعال المرتكبة إذا تحققت الشروط الأخرى لقيام هذه الجريمة أو يمكن اعتبارها إحدى صورها ، وأما الإتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951وبروتوكولها لسنة 1967 وهما وثيقتان قانويتان أساسيتان تتضمنان الالتزامات القانونية للدول الأطراف بتوفير الحماية للاجئين ، وأن لا ينبغي إعادة اللاجىء الى بلد يمكن أن يواجه فيه تهديداًخطيراً لحياته أو حريته ، ويُعدُّ قاعدة من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي إلا أنها خلت من تعريف جريمة التهجير القسري رغم أنها تناولت الأحكام الخاصة بإستمرار الإقامة للاجئين الذين تم إبعادهم قسراً خلال الحرب العالمية الثانية، وبموجب المادتين (32، 33) منها يحظر طرد اللاجئين، وأما الإتفاقية الخاصة بوضع الأشخاص عديمي الجنسية لسنة 1954 )، فنصت المادة (10) منها على استمرارية الإقامة معتبرة الذين أُبعدوا قسراً خلال الحرب العالمية الثانية، وتم نقلهم إلى أرض دولة متعاقدة مكوثهم القسري إقامة مشروعة، وأكدت على حرية السكن والتنقل في المادة (26)، وأما المادة (31) منها فإنها تمنع الدولة المتعاقدة طرد عديمي الجنسية الموجودين في إقليمها بصورة نظامية إلا لأسباب تتعلق بالأمن الوطني أو النظام العام، ولم يرد في هذه الإتفاقية تعريف لجريمة التهجير القسري .
المطلب الثاني
التهجير القسري في النظم الدولية الأساسية
لا تُعدّ جريمة التهجير القسري للسكان المدنيين مجرد نقل لهم من مكان إلى آخر، فهي جريمة أخطر من ذلك فهي جريمة دولية، إذ يمكن أن تكون جريمة ضد الإنسانية أو جريمة حرب أو جريمة إبادة جماعية، وأهم التعاريف التي وردت في النظم الأساسية الدولية لهذه الجريمة كما يأتي :
النبذة الاولى- تعريف جريمة التهجير القسري في النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ :
قام الحلفاء في الحرب العالمية الثانية بوضع النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ على الرغم من الصعوبات التي واجهت تشريع القانون الدولي الجنائي، وتحقيق الموائمة بين النظم القانونية المختلفة لهذه الدول، وتحديد الأفعال المراد تجريمها
وعقد لندن في 26 يونيه 1945 مؤتمراً نتج عنه في 8 أغسطس 1945 اتفاق لندن بين ممثلي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وفرنسا وانضمت إليه لاحقاً عشرة دول حليفة ، على وفق المادة (5) انضمت حكومات: اليونان، الدانمارك، يوغسلافيا، هولندا، تشكيوسلوفاكيا، بولندا، بلجيكا، أثيوبيا، أستراليا، هندوراس، النرويج، بنما، لوكسمبرغ، هايتي، نيوزيلندا، الهند، فنزويلا، أورجواي، بارجواي إلى الإتفاق ، وتأسست المحكمة العسكرية الدولية للشرق الآقصى في الإمبراطورية اليابانية بطوكيو في 29 إبريل 1946، من قبل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وتم استدعاء جميع العسكريين اليابانيين بإستثناء العائلة المالكة ، وتم حكم المدانين ما بين الإعدام والسجن لسنوات وانتهى عمل المحكمة بتاريخ 12 نوفمبر 1948(22) وتم ألحاق ميثاق محكمة نورمبرغ بإتفاقية لندن المنشئة لها لمحاكمة كبار مجرمي الحرب الألمان .
وحددت المادة (6) من النظام الأساسي لمحكمة نورمبرج اختصاصات المحكمة في محاكمة مرتكبي جرائم دولية ثلاثة هي : الجرائم ضد السلام، جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، وكانت جريمة الحرب أسهل الجرائم تعريفاً ، إذ ورد تعريف جرائم الحرب في إتفاقية لاهاي لسنة 1907 الخاصة بتنظيم قواعد الحرب البرية . وهي أي انتهاك أو مخالفة لقوانين وأعراف الحرب وتشمل على سبيل المثال لا الحصر إبعاد السكان المدنيين من أجل العمل أو القيام بأعمال شاقة في البلاد المحتلة، أو لأي هدف آخر والقتل وسوء المعاملة لأسرى الحرب وقتل الرهائن وأي عمل لا تقتضيه الضرورة العسكرية ، وأما الجرائم ضد الإنسانية فوردت في المادة (6/ج) من النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ وهي تشمل أفعالاً منها النفي أو الترحيل أو أفعالاً أخرى غير إنسانية ولم يورد النظام الاساسي تعريفاً للجرائم ضد الإنسانية وإنما أورد الأفعال التي تكّون هذه الجرائم ومنها الإبعاد في حالة توفر أركان الجريمة، ويُعدّ مفهوم الجرائم ضد الإنسانية من المكاسب المتحققة من إنشاء محكمة نورمبرج ، وصنّف مجلس مراقبة الحلفاء أو هيئة مراقبة الخلفاء وكان مقر المجلس في برلين شونبرج وذلك لتحديد عدة خطط لأوربا ما بعد الحرب ، بما في ذلك كيفية تغيير الحدود ونقل السكان في أوربا الشرقية وألمانيا وكان المجلس هو السلطة القانونية الوحيدة ذات السيادة على المانيا ككل ، لبتحل محل الحكومة المدنية المنقرضة في المانيا النازية ، وهو قانون ناتج عن خلافات بين حكومات الحلفاء فيما يتعلق بسياسة مشتركة بشأن مجرمي الحرب ، في المادة (2/ج) من القانون رقم (10) الإبعاد القسري من ضمن الجرائم الدولية ضد الإنسانية
النبذة الثانية - جريمة التهجير القسري على وفق النظام الأساسي لمحكمة طوكيو:
اتُهمت اليابان بإرتكاب جرائم لا تقل بشاعة عن تلك التي نسبت لدول المحور الغربي وكان للولايات المتحدة الأمريكية دور كبير في محاكمات طوكيو بعد اشتراكها في الحرب العالمية الثانية. وفي 19/1/1946 أصدر القائد العام لقوات الحلفاء في اليابان قراراً بإنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب اليابانيين عن الجرائم والمجازر التي نسبت إليهم وسميت (محكمة طوكيو)، وصدر قرار إنشائها في الاتفاق الذي تم في مؤتمر يوسدام بتاريخ 26/7/1945 واختصاصها لم يختلف عن اختصاص محكمة نورمبرج، وجرى تعريف الجرائم ضد الإنسانية هي: القتل، الإبادة، الاسترقاق، الإبعاد وغيرها من الأفعال غير الإنسانية، المرتكبة ضد أي تجمع مدني قبل أو أثناء الحرب، أو الاضطهاد القائم على أساس سياسي، أو عنصري، وتنفيذ أي جريمة أو متعلق بأي جريمة تدخل في اختصاص المحكمة سواءً كان ذلك الفعل مجرماً أم غير مجرم، في القانون الوطني للدولة المرتكب على أرضها هذا الفعل، القادة المنضمون، المحرضون، المساهمون، والمشاركون في إعداد أو تنفيذ خطة عامة، أو في اتفاق جنائي لارتكاب أيٍّ من الجرائم السابقة؛ بكونهم مسؤولين عن جميع الأفعال التي ارتكبت بوساطة أي شخص في سبيل تنفيذ تلك الخطة). بحسب المادة (5/ج) من النظام الأساسي لمحكمة طوكيو، ويتبين من النظامين الأساسيين لمحكمتي نورمبرج وطوكيو أن الإبعاد يُعدّ أحد الأفعال المكونة للجريمة ضد الإنسانية، وهي جريمة دولية وإن لم ينص عليها في القانون الوطني، وهذه نقلة نوعية في احترام حقوق الإنسان.
انبذة الثالثة - التهجير القسري لدى المحاكم الجنائية الدولية المؤقتة:
تُعدُّ الجرائم التي يرتكبها المجرمين من ضمنها جرائم الحرب التي تمثل الإنتهاكات الأكثر جسامة للقانون الدولي الإنساني ، تثير الرأي العام الدولي لما تمثله من فضائع مرتكبة بحق الأبرياء المدنيين من بشاعة وعدم الإحترام للقواعد الدنيا في حماية المدنيين ، وعمل المجتمع الدولي على تطوير آلية معاقبة الجناة ، فتأسست المحاكم الدولية المؤقتة الذي تبع تفكك جمهورية يوغسلافيا الإتحادية السابقة، وما حصل في رواندا في إفريقيا بسبب خلاف عرقي، فصدر قرار مجلس الأمن المرقم (827) في 25/5/1993 بالموافقة على تأسيس محكمة جنائية دولية مؤقت لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب الخاصة ، والتي تُعدّ من أهم الإجراءات المتخذة من الأمم المتحدة لقمع تلك الجرائم والتي عُدّت انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني ، إذ ارتكب الصرب جرائم التطهير العرقي والاغتصاب والتهجير القسري وقتل المدنيين البوسنيين. وورد في الفقرة (2) من المادة (4) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية المؤقتة الخاصة بيوغسلافيا السابقة ما يأتي: (تعني إبادة الأجناس أي فعل من الأفعال الآتية يرتكب بقصد القضاء كلياً أو جزئياً على جماعة وطنية أو إثنية أو عرقية أو دينية بوصفها جماعة لها هذه الصفة). كما جاء في الفقرة (2/ه) من المادة نفسها (نقل أطفال الجماعة قسراً إلى جماعة أخرى). وأما المادة (5) فنصت على الجرائم المرتكبة في حق الإنسانية ومحاكمة الأشخاص المسؤولين عن الجرائم الآتية : إذا ارتكبت في أثناء نزاع مسلح دولي أو غير ذات طابع دولي وكانت موجهةً ضد أي مجموعة مدنية، أما الإبعاد فورد في الفقرة (د) من المادة (5) من نظام المحكمة الأساسي. ولم يرد للتهجير القسري تعريفاً في النظام فضلاً عن أن الجرائم المرتكبة في يوغسلافيا السابقة تقع من ضمن اختصاص المحكمة وكما يأتي:
1- الإنتهاكات الجسيمة لإتفاقيات جنيف 1949.
2- مخالفات قوانين وأعراف الحرب.
3- الإبادة الجماعية.
4- الجرائم ضد الإنسانية. وتكون جريمة التهجير القسري للسكان المدنيين في ضمن الجرائم ضد الإنسانية إذا تحققت أركانها.
وأما ما يخص المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا 1994 قامت حكومة رواندا بسبب الصراع العرقي بين قبائل (التوتسي والهوتو)، الذي نتج عنه انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، بمقتل مليون ونصف مليون شخص وتهجير قسري، باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي، الذي شكل لجنة التحقيق في الجرائم المرتكبة في رواندا، على وفق القرار (935) لسنة 1994 مستنداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، وأًصدر المجلس القرار المرقم (955/94) في 8/11/1994، بتشكيل المحكمة الجنائية الدولية برواندا، التي اختصت بالنظر في الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف 1949 ومخالفة قوانين الحرب وأعرافها، واستند النظام الأساسي لهذه المحكمة على الأسس التي صدر بموجبها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة التي اعتمدت بالأساس على النظام الأساسي لمحكمة نورمبرج، إذ قامت المحكمة با تجميع القواعد القانونية والإجراءات الواردة في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، مع بعض الفروق البسيطة فيما يتعلق بالاختصاص الزماني والاختصاص المكاني ، ووردت جريمة االتهجير القسري (الإبعاد) في الفقرة (2) من المادة (2) النظام الذي لم تعريفاً لجريمة التهجير القسري.
النبذة الرابعة - التهجير القسري في نظام المحكمة الجنائية الدولية
بعد تأسيس المحكمة الجنائية الدولية وصدور نظامها الأساسي ظهر للوجود شخص جديد من أشخاص القانون الدولي العام لأن هذه المحكمة انبثقت عن إتفاقية دولية مُلزمة. وورد في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ، وحددت المادة (5) من النظام الأساسي للمحكمة اختصاصاتها التي اقتصرت على أشد الجرائم خطورة وهي
1- جريمة الإبادة الجماعية.
2- جرائم الحرب.
3 - الجرائم ضد الإنسانية.
4- جريمة العدوان.
وورد مصطلحي (الإبعاد والنقل القسري) في ضمن الأفعال المكونة للجريمة ضد الإنسانية وذلك في الفقرة (1/د) من المادة السابعة أما تعريف الإبعاد أو النقل القسري فورد في الفقرة (2/د) التي نصت على ما يأتي: (ترحيل الأشخاص المحميين قسراً من المنطقة التي يوجدون فيها بصفة مشروعة بالطرد أو بأي فعل قسري آخر من دون مبررات يسمح بها القانون الدولي)، ليضع هذا التعريف الأساس القانوني للتهجير القسري (الإبعاد) ويُعدُّ الفعل جريمة ضد الإنسانية يعاقب عليها جنائياً.
جريمة التهجير القسري في العراق بعد الاحتلال
شمل التهجير القسري جميع محافظات البلاد بعد سنة 2003 بدأت من تاريخ احتلال العراق في 9/4/2003 ودخول قوات الاحتلال وما رافقها من تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وانفلات أمني واضح شجعت على عمليات التهجير القسري، إذ احتلت محافظة صلاح الدين المرتبة الأولى تلتها محافظات الأنبار ، ونينوى ، ثم بابل ، وبغداد، وأشارت منظمة الهجرة الدولية أن أغلب عمليات التهجير كانت ناتجة عن العمليات العسكرية من قبل قوات الاحتلال، وانعدام الأمن والفتن الطائفية، وهروب العديد من البعثيين، وازدادت هذه المشكلة في سنة 2007 بعد أحداث تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء بتاريخ 18/2/2006، جعل عمليات التهجير القسري تأخذ أبعاداً طائفية ، وسياسية ، واقتصادية ، واجتماعية، وتزايدت أعداد المهجرين قسرياً بنطاق واسع من نينوى ، وديالى ، وكركوك ، وبابل ، والنجف ، وبغداد ، والأنبار، فسجلت بغداد المرتبة الأولى لعدد العوائل المهجرة، إذ بلغ عددها حوالي (30) ألف عائلة وبنسبة (27%) تلتها محافظة ديالى (9) آلاف عائلة بنسبة (8.1%) ثم محافظات واسط ، وكربلاء ، والبصرة ؛ لأسباب عرقية (1%) ؛ ولأسباب إرهابية بنسبة (1%)؛ وأسباب أخرى تعود إلى انعدام الأمن وهذا ما توضحه الأعمال الطائفية من قتل وتهديد بالقتل وحرق وتدمير الأعيان المدنية، وتواصلت خلال الفترة (2008-2010) عمليات التهجير القسري؛ لإستمرار أعمال العنف وانعدام الجانب الأمني ، وبلغت العوائل المهجرة من بغداد (90731) مهجّر وبنسبة (40%)، تلتها محافظة ديالى بنسبة (10.4%) ومحافظة نينوى بنسبة (8.4%) ومحافظة بابل (5.6%)، في حين جاءت محافظة المثنى أقل نسبة بلغت (1.1%)، وقد عادت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن أعلى تقدير للتهجير القسري داخلياً كان في سنة 2009، حيث بلغ العدد (2.764.111) مليون في كانون الثاني 2009 ولكن العدد انخفض بداية سنة 2010 فتبعاً لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يوناميUNAMI) ، وبلغ عدد المهجرين داخلياً (1.343.568) مليون مُهجّر، ثم انخفض في 30 يونيو 2011 إلى (1.258.934) مليون مُهجّر إلا أن الرقم عاد للارتفاع في إحصائية يناير 2012 ليصل إلى (1.332.382) مليوناً (94). لينخفض مرة أخرى إلى (1.131.810) مليوناً حسب إحصاء يناير 2013 ، مما يعني عملياً أن عدد المهجرين داخلياً على وفق الأرقام يشكل (3.3%) من مجموع سكان العراق .
وأما وزارة الهجرة والمهجرين فإنها تقدر الهجرة الداخلية لغاية 25 يونيو 2012 عدا محافظات (أربيل والسليمانية ودهوك) بـ (181702) عائلة وبمجموع (1074909) فرداً، في حين تحدثت حكومة كردستان أن (37941) عائلة بمجموع (208675) فرداً نزحت إلى الإقليم سنة 2003 ، فيكون مجموع النازحين داخلياً بلغ (1283584) فرداً يشكل نسبة (4.3%) من مجموع سكان العراق الذي كان يبلغ (29775350) نسمة سنة 2012 بحسب أرقام وزارة التخطيط العراقية، وسجلت محافظة نينوى التي تضم أقليات أثنية ودينية عديدة أعلى نسبة تهجير بلغت (6.2%) من مجموع سكانها وبلغ عدد العائدين بحسب التقرير نفسه (885151) فرداً من مجموع المهجرين وهذا يعني عملياً أن ما نسبته (7.2%) من مجموع سكان المحافظات الخمس عشرة في عام 2012 هم من المهجرين، أما إذا أخذنا التقدير السكاني لسنة 2007 وهي السنة التي شهدت النسبة الأكبر من التهجير فإن النسبة تصل إلى (8.27%) من مجموع سكان المحافظات
وشهدت محافظتا بغداد وديالى العدد الأكبر من العائدين: بغداد (85163) عائلة، وديالى (31963) عائلة، أي أن (817653) فرداً هجروا من بغداد و(71352) فرداً هجروا من ديالى أي (11.6%) من سكان بغداد و(20%) من سكان ديالى بحسب تقديرات السكان لسنة 2007، باعتماد (5.01) عدد أفراد العائلة في بغداد، و(5.9) عدد أفراد العائلة في ديالى، وفي سنة 2014 ؛ بسبب الهجمات الإرهابية لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وصل عدد المهجرين إلى أكثر من مليوني شخص مازال القسم الأكبر منهم في محافظتي دهوك، وأربيل، وهم يتواجدون في مخيمات لا تتوافر فيها أبسط شروط الحياة اليومية، وتتعرض حياتهم إلى المزيد من الانتهاكات المرتَّبطة بتفاقم الحاجة إلى السكن اللائق والخدمات العامة. ووصل عدد المهجرين من المسيحيين إلى (200) ألف شخص (120) ألفاً منهم مسجل في إقليم كردستان ، والأعداد الباقية توزعت إلى مدن عراقية أخرى مثل بغداد، كركوك، البصرة وغيرها، وهناك (50-55) ألف شخص موزعين على دول الجوار الإقليمي مثل تركيا، الأردن، لبنان، مصر ويقدر عدد المسيحيين المهجرين في الأردن (18000) فرد وفي لبنان (7200) فرد وفي تركيا (2500) فرد وفي مصر (150) فرداً، ووصلت (200) عائلة إلى فرنسا، وبلغ عدد اليزيدين المهجرين بحدود (400) ألف شخص هجروا من سنجار وبعشيقة وبلدات أخرى إلى دهوك ، وأربيل ، والسليمانية، وقدر عدد المهجرين من التركمان ، والشبك ، والكاكائيين ، الذين هجروا من سهل نينوى وتحديداً بين قضائي الحمدانية ، وتكليف ، وناحيتي برطلة ، وبعشيقة بأكثر من (150) ألف شخص فضلاً عن عشرات الآلاف من السكان المدنيين في نينوى والقصبات التابعة لها هجروا قسرياً ولم يسمح لهم بأخذ مقتنياتهم وأموالهم وممتلكاتهم مثل السيارات، وسكنوا في مخيمات لا تتوفر فيها الشروط الصحية ولا تُعدّ مناطق إيواء آمنة ، وأما في كركوك التي خضعت بحكم الواقع الفعلي لسيطرة السلطات في إقليم كردستان العراق بعد أن انسحبت قوات الحكومة العراقية المركزية من شمال العراق في يونيو/حزيران 2014، مع هيمنة تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات شاسعة من أراضي البلاد ، ظلت كركوك لمدة طويلة من أكثر المناطق التي تُعدّ مثار جدل من ضمن (الأراضي المتنازع عليها) ، الواقعة جنوب إقليم كردستان العراق والتي تطالب بها حكومة إقليم كردستان العراق بضمها إليها. واشتد التوتر بين الأطراف الثلاثة الكبرى في كركوك (الأكراد، العرب، التركمان) في أعقاب ظهور التنظيم الإرهابي وكان يتطور إلى أعمال عنف بين حين إلى آخر، وسعى مئات الآلاف من المهجرين من محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالى إلى أن يجدوا (ملاذاً آمناً) لهم في كركوك، منذ أن بسط التنظيم الإرهابي سيطرته على أجزاء كبيرة من الأراضي العراقية في يوليو / حزيران 2014،وتشير التصريحات الرسمية لوزارة الهجرة والمهجرين ومحافظ كركوك أن عدد المهجرين في كركوك بلغ (600) ألف شخص، إلا أن "مصفوفة تتبع النزوح الصادرة من المنظمة الدولية للهجرة تفيد بوجود حوالي (374) ألف من المهجرين في كركوك .
وعلى وفق تقارير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بلغت في سنة 2009 نسبة المهجرين قسرياً في العراق (2.764.411) شخصاً ؛ وبسبب انعدام الأمن أخذ التهجير القسري يزداد بصورة واضحة في العراق ، وأشارت المفوضية السامية للأمم المتحدة أن عدد المهجرين سنة 2015 داخلياً في العراق بلغ (3) ملايين شخص،
(43%) منهم من الأطفال ، مما يشير الى حجم الكارثة الإنسانية للأسر التي فقدت سكنها ومصدر رزقها، تعيش من دون رعاية صحية، أو خدمية، أو تعليمية، فضلاً عن تعرضهم لفقدان الأمان ، والأمراض ، وسوء التغذية، تاركاً آثاراً نفسية واجتماعية لا حدود لها
وتصت المادة (8/2) من قانون المحكمة الجنائية الدولية على أن تشريد المدنيين قسراً بدون مبرر ، يُعدّ جريمة حرب ويتيح القانون الدولي الإنساني للأشخاص المهجرين قسراً الحق في العودة الطوعية بأمان إلى ديارهم بمجرد زوال سبب النزوح ، وعند ملاحظة دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي، القاعدة (132) نجد أنها تنص على أن : ( للأشخاص النازحين الحق في العودة الطوعية بأمان إلى ديارهم أو أماكن سكناهم المعتادة ، حالما تنتفي الأسباب التي أدت إلى نزوحهم) ، ويُعرفُ القانون الدولي الإنساني العرفي بأنه مجموعة قواعد بيانات القانون الدولي الانساني التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر ، من ثلاث قواعد بيانات يمكن البحث فيها عن الموارد المتعلقة بالقانون الدولي الانساني ، ويمكن للمستخدمين البحث في هذه القواعد مجتمعة او منفردة للعثور على الوثائق المتعلقة بقواعد القانون الدولي الانساني المنصوص عليها في
القانون التعاهدي والقانون العرفي وتطبيقها وتنفيذها وتفسيرها والاطلاع عليها . و بينا فيما سبق أن القانون الدولي الإنساني الذي ينطبق على أوضاع النزاعات المسلحة يحظر تهجير المدنيين خلال النزاعات المسلحة غير الدولية، إلا في الحالات التي يقتضيها أمن المدنيين أو لأسباب عسكرية قهرية ، ولكن لا أحد يطبق القانون في العراق على الرغم من كونه من الدول الأطراف في "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وأنه ملزم بأن يمتنع عن تنفيذ عمليات الإخلاء القسري وأن يحول دون حدوثها وأن يوفر الحماية للأشخاص من هذه العمليات وعلى وفق التقارير فإن عدد المهجرين العراقيين قسراً أكثر من خمسة ملايين شخصا يتوزعون على 35 دولة يعيشون في ظروف أقل ما يقال عنها أنها قاسية ، لان الحرمان والجوع والحاجة هي أبرز صفات هذه الظروف التي يعيشونها ، فضلاً عن حوالي مليوني نازح داخل البلاد يعيشون في مخيمات قاسية الظروف ولا يسمح لهم بالعودة الى مناطقهم الاصلية لأسباب طائفية ، وبين مدير سياسة اللاجئين في منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش هو Human Rights Watch ) ، بيل فريليك : ( إنه لا يوجد في الواقع حصر لأن اللاجئين خارج العراق يعاملون كمهاجرين غير شرعيين ، وكثير من الناس يعتقدون أن أفضل ما يفعلونه هو أن يضلوا مختبئين .) ، وتقول الخبيرة في شؤون العراق بجامعة الدفاع الوطني National Defence Universityفي واشنطن (جوديث ياف) : ( ان الاعداد الفعلية لا تتفق على مستوى الارقام المتواترة او على المستوى البحثي مع الارقام المعلنة ) وأضافت أن اعداد اللاجئين الذين يعيشون خارج العراق قد تصل تقريباً الى ضعف تقديرات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة ، (35) وارتفع عدد اللاجئين والمهاجرين برغم قيود السفر المرتبطة بجائحة كوفيد – 19 ، عن الارقام والاحصائيات المتعلقة بالهجرة في عام 2021 ، لكن عدد الاشخاص الذين اجبروا على مغادرة منازلهم ، بسبب الصراع والإضطهاد إرتفع الى مستويات قياسية ، وعادة ما تسفرحالات الإخلاء القسري عن دفع الاشخاص الى الفقر المدقع على نحو يعرض حقهم في الحياة نفسه للخطر ، وإقترنت تلك الحالات بالمعاملة القاسية أو غير الإنسانية أو المهينة لاسيما عندما تكون مصحوبة بالعنف أو بنية تمييزية ، وكثيراً ما يتعرض الأشخاص خلال أعمال الإخلاء القسري للمضايقة أو الضرب ، بل أنهم يتعرضون أحياناً لمعاملة غير إنسانية أو حتى القتل ، والنساء والفتيات معرضات بشكل خاص للعنف بما في ذلك العنف الجنسي قبل حالات الاخلاء وأثنائها وبعدها وتسفر عن إنتهاكات غير مباشرة للحقوق السياسية من قبيل الحق في التصويت في الإنتخابات وهذا ما هو سائد في العراق إذ حُرِّم المهجرون من حق التصويت النيابية والحرمان من الوثائق مثل جواز السفر والبطاقة الموحدة وإلغاء الوكالات ، والتنكر للحق في الإنتصاف والآلية القضائية وسواها من آليات المساءلة ،وتنتهك حق الشعوب الاصلية في الارض ، وعلى وفق شبكة النبأ المعلوماتية : يؤكد العديد من الباحثين إن الأزمات بشكل عام والفترة التي تعقبها بشكل خاص تسبب في حدوث آثار نفسية واجتماعية وصحية مؤلمة للمجتمع تنعكس على الاستقرار النفسي لإفراده وتوافقهم الاجتمــاعي، مــثل الــشعور بالــخوف والــهلع والحــزن والإحباط والــفشل والاكـــتئاب والـتوتر والقلق من المستقبل المجهول والخوف من مصادر الخطر وعدم الاطمئنان للآخرين وسهولة الإصابة بالأمراض الجسمية.
د . سهيل أحمد أمين
5/2/2026
المصادر
(1) د. عمر سعد الله، معجم في القانون الدولي المعاصر, ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ،2007 ص 6
(2) شريف عتلم، القانون الدولي الإنساني دليل للأوساط الأكاديمية، القاهرة، ص 6 وما بعدها
(3) فرانسوا بوشيه سولينة، القاموس العلمي للقانون الدولي الإنساني، ترجمة أحمد مسعود، دار الملايين، بيروت، ،2006 ص 198
(4) وليم نجيب نصار، مفهوم الجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط،1 بيروت، ،2008 ص .364
(5) رشاد السيد، الإبعاد والترحيل القسري في ضوء القانون الدولي الإنساني، المجلة المصرية للقانون الدولي، المجلد ،51 ،1 السنة 1995 ص .238
(6) نادية عبد اللطيف، الحماية الجنائية للمدنيين من التهجير القسري، دراسة مقارنة، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية القانون بجامعة تكريت، ،2009 ، ص 69، أيضاً : بن شعيرة وليد ، الترحيل والإبعاد القسري للمدنيين في ضوء القانون الدولي الإنساني ، مذكرة ماجستير ، جامعة الحاج لخضر باتنة ، كلية الحقوق ، الجزائر ، ص7،
(7) بن شعيرة وليد ، المصدر السابق ، ص 9،
(8) د . عبد الفتاح بيومي حجازي، المحكمة الجنائية الدولية، دار الفكر الجامعي، جمهورية مصر العربية، الإسكندرية، ،2004 ص.5 ، لمزيد من التفصيل مراجعة : سعد الدين صالح عبد ، الآليات القانونية لحماية المدنيين من التهجير القسري ، الجامعة التقنية الوسطى ، منشور في مجلة كلية دجلة الجامعة ، المجلد ، 5 العدد ، 2 نيسان 2022 ، ص 31 وما بعدها
(9) ) د. أبو الخير أحمد عطية ، المحكمة الجنائية الدولية الدائمة ، دار النهضة العربية ، القاهرة ،1999 ، ص 2
(10) صباح حسن عزيز ، جريمة التهجير القسري ، دراسة مقارنة ، رسالة ماجستير منشورة ، جامعة النهرين ، كلية الحقوق ، القانون العام ، بغداد ، 2015 ، ص 21 وما بعدها .
(11) د. لندة معمر بشوي، المحكمة الجنائية الدولية الدائمة واختصاصاتها، ط2، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمّان، 2010، هامش رقم 32
(12) د. فاضل عبد الزهرة الغراوي، المهجرون والقانون الدولي الإنساني، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2013، ص64
(13) د. محمود شريف بسيوني، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، المجلد الأول، ط1، دار الشروق، القاهرة، 2002، ص12.
(14) د. لندة معمر بشوي، المحكمة الجنائية الدولية واختصاصاتها ، مصدر سابق ، ص 32
(15) د. إسماعيل عبد الرحمن، الأسس الأولية للقانون الإنساني الدولي (القانون الدولي الإنساني)، دليل للتطبيق على الصعيد الوطني، تقديم الدكتور أحمد فتحي سرور، ط1، دار المستقبل العربي، صدر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القاهرة، 2003، ص22.
(16) د. سوسن تمرخان نكة، الجرائم ضد الإنسانية في ضوء أحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2006، ص16
(17) د. محمد محيي الدين عوض، دراسات في القانون الدولي الجنائي، جامعة القاهرة، د.ت، هامش 231
(18) د. علي جميل حرب، منظومة القضاء الجزائي الدولي (المحاكم الجزائية الدولية والجرائم الدولية المعتبرة)، الموسوعة الجزائية الدولية، ج2، منشورات الحلبي الحقوقية، ط1، بيروت، 2013، ص36، 40
(19) د. محمود شريف بسيوني، مرجع سابق، ص32
(20) د. لندة معمر بشوي، المحكمة الجنائية الدولية، مرجع سابق، ص56-57
(21) د. صفوان مقصود خليل، الجرائم الإنسانية والإبادة الجماعية وطرق مكافحتها، ط1، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2010، ص145
(22) د. لندة معمر بشوي، المحكمة الجنائية الدولية، مرجع سابق، ص61.
(23) أمل فاضل عبد، العنف ضد المرأة في القانون الجنائي والقانون الدولي الإنساني، أطروحة دكتوراه، كلية القانون، جامعة بغداد، 2002، ص298 وما بعدها.
(24) د. مها محمد أيوب، محاضرات بعنوان (المحكمة الجنائية الدولية)، في مادة القانون الدولي العام، ألقيت على طلبة الدراسات العليا (الماجستير العام)، كلية الحقوق، جامعة النهرين، العام الدراسية 2012-2013، والمحاضرات مطبوعة.
(25) فوشيه الشارتري ، تاريخ الحملة الى القدس ، ترجمة الدكتور زياد العسلي ، دار الشروق للنشر والتوزيع ، 1990، ص 31-37
(26) نفس المصدر ، ص 32
(27) إبن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج9،دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1997 ، ص 13 -14 ، أيضاً محمد سهيل ، تاريخ السلاجقة ، ص 195
(28) محمد جمال الدين سرور ، تاريخ الدولة الفاطمية ، دار الفكر العربي ، ص 76-80 ، لاحظ أيضاً لاحظ د. عبد المنعم محمد حسنين ، سلاجقة إيران والعراق ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، ص 16-17 د. عبد المنعم محمد حسنين ، سلاجقة إيران والعراق ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، ص 16-17
(29) إبن الأثير ، نفس المصدر ، ج 8 ، ص 460-498 ، ج9 ، ص 8-11
(30) إبن خلكان الأندلسي ، وفيات الأعيان ، دار صادر ، بيروت ، ج1 ، 1900 ، ص 308
(31)Human Right in Palestine and, N Human Right Council, September other Occupied Arab Territor: Report of The United Nations Fact – Finding Mission on the Gaza Conflict A/HRC/2/48. Hereafter, “Gold stone Report” Available at: www.2.other. Org,
(32) نفس المصدر ، القسم الحادي عشر، القسم الثالث عشر، الفقرات 937 – 913، 1537 – 1535، 1538 – 1539
(33) مهدي خلجي، زيديو اليمن: نافذة للنفوذ الإيراني، المرصد السياسى، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى The Washington Institute for Near East Policy، 2/ 2/ 2015، على الرابط الاتي https://www.washingtoninstitute.org
(34) Carnegie Endowment for International Peace 14/ 2/ 2017
على الرابط الآتي : https://carnegieendowment.org
(35) جون مكفاري، الدراسات الأثنية والعرقية، المجلد 21، في 21 نيسان 1998
(36) وزارة الخارجية الأمريكية 8 أيلول 2010 ، Syria Back ground Note ، www.state.gov
(37) عبادة كوجان، باب عمرو مشروع استيطاني، يجرد أهله حقوقهم رغم تهجير نصف سكانها ديمغرافيا، حمص تحافظ على ثباتها حتى الآن، عنب بلدي، 31 كانون الثاني 2016. www.enabbaladi.net
(38) مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، 18 تموز 2013، www.ohchr.org
(39) المادة (7/1/د) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
(40) محمد رشيد ، التهجير القسري والتغير الديمغرافي في سورية تحت غطاء الأمم المتحدة.، مركز الامة للدراسات والتطوير ،21 أغسطس 2021
(41) قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1674 لسنة 2006، حماية المدنيين في الصراعات المسلحة، الفقرة (12) تشير إلى حظر التهجير القسري للمدنيين في حالات الصراع، في ظل ظروف تشكل انتهاكاً لالتزامات الأطراف بموجب القانون الدولي الإنساني.
(42) موسوعة اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، النصوص الرسمية للاتفاقيات والدول المصدقة والموقعة، إصدار بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقاهرة، الطبعة الرابعة، 2004
(43) جون، ماري هنكرتس ولويز دوز والدسبك، القانون الدولي الإنساني العرفي، المجلد الأول، القواعد، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فبراير، 2007، ص400، ص405
(44) مركز رصد للنزوح الداخلي (IDMC) مركز عالمي تأسس سنة 1998 بمهمة عالمية وهي رصد النزوح الداخلي وإعداد التقارير المتعلقة به . ويوفر المركز البيانات موثوقة متحقق منها حول النزوح الداخلي
(45) تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ( UNAMIيونامي)
الموقع : www.unher-arabic.org
(46) أوضاع حقوق الإنسان في العراق، 2011، الصادر في مايو 2012، ص63
(47) تقدير الجهاز المركزي للإحصاء بلغ عدد سكان العراق سنة 2013 حوالي(34.207.248) مليون نسمة. www.ihec.iq
(48) بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ( UNAMIيونامي ، تقرير أوضاع حقوق الإنسان في العراق 2011، الصادر في مايو 2012، ص65.
(49) وزارة الهجرة والمهجرين، التقرير نصف السنوي، الإصدار السادس، ص4.
(50) التقرير الوطني لحالة التنمية البشرية 2008، وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي في العراق وبيت الحكمة، بغداد، 2009، ص204.
(51) تقرير منظمة حمورابي لحقوق الإنسان "وهي منظمة غير حكومية رقم تسجيلها (1HV1134) لسنة 2014، ص9 وما بعدها
(52) منظمة العفو الدولية: "هُجّروا وجُرّدوا من كل ما يملكون"، النزوح القسري والتدمير المتعمد في العراق، رقم الوثيقة 2016/3229/14/MED، بتاريخ 20 يناير/كانون الثاني 2016، متاح باللغة العربية على الرابط: www.amnesty.org وتقرير منظمة العفو الدولية : يتعاقبون على جرائم تنظيم الدولة الإسلامية، النازحون العراقيون يتعرضون للتهجير على أيدي الميليشيات والقوات الحكومية، رقم الوثيقة 2016/4962/14 MDE، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2016، متاح باللغة العربية على نفس الرابط .
(53) تقرير منظمة الهجرة الدولية حول حماية المدنيين في النزاع المسلح في العراق، نشرة مصفوفة النزوح القسرية، 2014، على الموقع الإلكتروني: www.amnesty.org
(54) الأمم المتحدة (الأسكوا) تقرير منظمة الهجرة الدولية لسنة 2015، الهجرة والنزوح والتنمية في منطقة عربية متغيرة، ص118.
(55) قاعدة بيانات القانون الدولي الإنساني للجنة الدولية للصليب الأحمر ICRC
(56) اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القانون الدولي الإنساني العرفي، المجلد الأول، القواعد، ج30، هنكرتيس ول دوزوالد بك، تحرير 2005، متاح على الرابط: www.icre.org.
(57) المادة (11/1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966
(59) أخبار الامم المتحدة (حصاد أخبار عام 2021) ، 29 ديسمبر 2021
(59) مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان ، منظمة الامم المتحدة ، الإخلاء القسري ، صحيفة الوقائع 25 ، التنقيح 1 ، 2014 ، ص 1 وما بعدها .