هجرة النخب والكفاءات العراقية الى أين ؟
لا يختلف أحد في العالم حول جسامة تسرب وهجرة النخب والكفاءات والعقول العلمنية من بلادها لانها تُعدُّ ثروة قومية لا يمكن التفريط بها من أية حكومة رشيدة ، لأن هذه الظاهرة تعرقل إيجاد الحلول للمشاكل والأزمات ، ودفع عجلة التطور الإجتماعي والإقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة
لا يختلف أحد في العالم حول جسامة تسرب وهجرة النخب والكفاءات والعقول العلمنية من بلادها لانها تُعدُّ ثروة قومية لا يمكن التفريط بها من أية حكومة رشيدة ، لأن هذه الظاهرة تعرقل إيجاد الحلول للمشاكل والأزمات ، ودفع عجلة التطور الإجتماعي والإقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة ، وكان لهجرة العقول في العراق الأثر الواضح للتخلف عن التطور الحاصل في العالم ،وتدني المستويات كافة في المجتمع بعد الإحتلال في سنة 2003 ، لا سيما بعد التدمير المتعمد والإهمال لجميع المشاريع الصناعية والزراعية والعلمية والصحية ، وسيادة سياسة التجهيل وعودة الأمية وإزدياد نسبة التسرب في المرحلة الإبتدائية ، وعدم معالجة مشكلة الطاقة التي هي عصب الحياة ، وكانت لتهجير وهجرة العقول العراقية عن البلاد أسبابها ، عجزت السلطات المتعاقبة على البلاد منذ 2003 من إيجاد الحلول الناجعة لإستعادتها ، فظاهرة هجرة العقول والكفاءات والنخب هي عبارة عن عملية إنتقال طوعية أو قسرية من بلد الى آخر ، فتخسر البلدان المصدرة لها مادياً ومعنوياً ، وتفاقم المشاكل التي تعاني منها بلدانها ، فتكون فريسة سهلة للشركات الوهمية والأطماع الأجنبية ، وتهديد أمنها الوطني من خلال إرسال رجال أجهزة أمنية بصفة خبراء ، فضلا عن سياسة شراء الذمم لتمرير العقود والمناقصات ، ويمكن تلخيض بعض الأسباب التي تدفع العقول العراقية الى الهجرة :
أولاً – البحث عن فرص عمل أفضل ، فعندما تتأخر الدولة عن مواكبة التطور العلمي العالمي والتكنولوجي ، ولا تقوم بإعادة اعمار المشاريع الزراعية والصناعية وتعمير وتطوير البنى التحتية ، تدفع العقول والكفاءات العلمية الى الهجرة الطوعية بحثاُ عن فرص عمل وراتب أفضل .
ثانياً – تردي الواقع السياسي والأمني في البلاد : هذا الواقع دفع الكثير من العقول والكفاءات على الهجرة الطوعية بحثاً عن مكان آمن للعمل ، كما أُجبر الكثير منهم الى الهجزة القسرية بعد تعرضهم للتهديد أو تعرض أقرانهم الى التصفية الجسدية ، لإجبار أكبر عدد منهم على الهجرة قسراً .
ثالثاً – الأسباب الإجتماعية والثقافية : كلما شهد البلاد تدنياً في المستوى الثقافي والإجتماعي ، تسعى العقول والكفاءات العلمية الى البحث عن دول تحقق لهم المستويات الثقافية والإجتماعية التي يطمحون بها ويسعون اليها .وتُعدُّ هجرة العقول من الأسباب الرئيسة المؤدية الى خفض الإنتاجية والإبتكار والإبداع ، وخسارة للأمن القومي والثروة الوطنية .
ترتبط هجرة العقول العراقية بضعف تحسين الوضع الإقتصادي المتدهور في البلاد ، وعدم توفير فرص العمل أو بسبب الدراسة لتدهور مستوى التصنيف العالمي للجامعات العراقية ، أو لإكتساب الخبرة ، كما أن لإنتشار الفساد الإداري والمالي دور كبير في دفع الكثير الى الهجرة ، وإنعدام الإستقرار الأمني وسوء إدارة النظام السياسي القائم ، والخشية من الإستهداف أو الإضطهاد السياسي أو لأسباب أسرية أو طائفية ، وسبق للعديد من المبتعثين والدارسين على النفقة الخاصة أن أكملوا دراستهم العليا في الخارج وعادوا الى البلاد بعد أن إكتسبوا العلم والكفاءة ، فيما بقي البعض ولم يعُد الى الوطن بعد أن أغرته الحياة وظروف العمل في الخارج على البقاء ، فضلاً عن أن بعض العقول الوطنية أصابها الخمول والإنزواء بسبب ضعف القاعدة العلمية وإتعدام الإمكانيات ، فلم تقدم شيئاً ملمومساً للبلاد ، ودفعت الأحداث التي مرّت على العراق بعد إحتلاله سنة 2003 ، عشرا الالاف من العقول العلمية الكفء والخبرة العملية المكتسبة ، الى الهجرة القسرية لأسباب منها :
1 – الحرب التي شنت على العراق سنة 2003 وإحتلاله من الولايات المتحدة الأمريكية ، وإستهداف العقل العراقي من قواتها ومن إسرائيل وإيران ، وتعرض الالاف منهم الى الإعتقال والتصفية بالتعذيب والإغتيال ، دفع أقرانهم الى الهجرة القسرية لإيجاد ملاذ آمن لهم .
2- التصفية لأسباب طائفية من قبل الفصائل المسلحة المنتشرة في البلاد التي تولت تصفية العقول بصورة منهجية تنفيذاً لأجندات أجنبية ، دون أدنى تفكير بأن أفعالهم هذه إغتيال للثروة الوطنية ، التي يقع على عاتقها إعادة بناء ما دمرته الحرب .
3- عودة العادات العشائرية الى السيادة في المجتمع مثل الفصل العشائري والدكة العشائرية (على الرغم من تجريمها بقانون) ، هذه الممارسات إستندت الى قوة فصائل مسلحة ، فلم تعُد بيئة العمل آمنة للكثير من التخصصات لا سيما الأطباء والمهندسين والكوادر الجامعية .
4- قوى الإرهاب التي أُدخلت الى البلاد مارست أيضاً أعمال التصفية والملاحقة للكفاءات والنخب والكوادر العلمية .
5 – ومن سلم من التصفية الجسدية تعرض الى الخطف بهدف الإبتزاز المادي من جهة ومن جهة أُخرى إفراغ البلد من عقولها إنفاذاً لأجندات خارجية .
6- إعتبار الإنتماء الى الأحزاب السياسية الحاكمة شرطاً للتعيين .
7- إتساع ظاهرة الفساد الإداري والمالي وتغلغلها في جميع مفاصل الدولة ، وصلت الى حالة غير مسبوقة وهي بيغ الوظائف بأسعار خيالية لا سيما تلك القيادية المهمة .
8 – تدني المستوى الإقتصادي والخدمي وضعف القطاع الخاص وإفتقاره الى الكفاءة ، وإستمرار إعتماد السلطة على الإقتصاد الريعي (بيع النفط لتغطية الموازنة) ، ادى الى تدني المستوى المعاشي وإنتشار الفقر
9 – كثرة العطلات التي تؤدي الى إيقاف العجلة الإقتصادية ، وكل يوم عطلة تكلف الموازنة ملايين الدولارات ، مما يؤثر على خطط الدولة في توفير سوق للعمل ، وتقديم المغيرات لإستثمار العقول .
10 – تدني مستوى الإنفاق على التطوير والبحث والإبتكار ةوالإختراع ، وإنتهاج سياسات تجهيل متعمدة من خلال إشاعة الخُرافات والدجل والشعوذة ، وممارسات غير مألوفة ولا مؤائمة لتطور العصر التكنولوجي والذكاء الإصطناعي (AI): (هو تقنية ذات قدرات حل تشبه قدرات الإنسان في حل المشاكل ، ويحاكي في العمل الذكاء البشري ، يمكنه التعرف على الصور وكتابة القصائد وإجراء تنبؤات قائمة على البيانات) .
11 – إتساع دائرة البيروقراطية والفساد الإداري والمالي في مفاصل الدولة ، فأصبحت متخلفة عن التطور ، فضلاً عن العداء ومحاربة الكفاءات الوافدة من الخارج ، ووضعها في أماكن لا علاقة لها بتخصصاتها ، لتظطر الى العودة الى الخارج .
12 – عدم الإستقرار السياسي والأمني جعلت العراق مناخاً طارداً للعقول والكفاءات وطارداً للإستثمار الذي يستعل هذه العقول في تنفيذ المشاريع المُستثمرة .
ماهو الحل ؟؟
عَدّت السلطات التي تعاقبت على السلطة في العراق منذ إحتلاله سنة 2003 كل الكوادر والكفاءات والنخب العلمية العراقية من (أزلام النظام السابق) على وفق ما أطلقوها عليهم ، وتم إجتثاثهم من مؤسسات الدولة ، فضلاً عن كونهم يشكلون جيشاً من الخبرة والكفاءة العلمية والطبية والهندسية والإقتصادية والقانونية والنفطية والعلوم الأخرى ، لم تتمكن هذه السلطات من تعويضهم لإعادة إعمار وبناء البلاد وتنفيذ الخطط الإقتصادية والتنموية ، ليبقى إقتصاد العراق ريعياً فاشلاً ، يُتوقع أن يواجه كوارث حقيقية إذا تدنت أسعار النفط ، وإذا تعرض العراق الى عقوبات أمريكية . وإذا أُريد للعراق أن يُعاد بناءه وإعماره وتقوية إقتصاده ليعود قوياً وإعادة الحياة لمشاريعه الصناعية والزراعية ، من أية سلطة تتولى الحكم في العراق إتخاذ خطوات جريئة بعيدة عن التحزب السياسي والطائفي والعرقي منها :
أ – حل مشكلة الطاقة في العراق (الكهرباء – الغاز - النفط) بأقصى سرعة ممكنة لأنها عصب الحياة وأداة تشغيل كل مرافق الدولة منها خطط إعادة الإعمار والبناء ، لاسيما الطاقة الصديقة للبيئة .
ب – إلغاء جميع قرارات الإجتثاث التي صدرت بحق النخب والكفاءات العلمية التي أُجبرت على الهجرة القسرية ، وتوفير عوامل الجذب والإغراء والأمن لهم لتشجيعهم على العودة الى البلاد ، للإستفادة من طاقاتهم كمستشارين وتنفيذيين كلا على وفق تخصصه وعمره .
ت – توفير الأمن والسلم المجتمعي وتجريم الطائفية والدعوة اليها ليسود السلام والأمن في المجتمع ليكون العراق مناخاً جاذباً للعقول الوطنية والأجنبية .
ث – وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، وإبعاد المناصب التي لها علاقة بالبناء والتنمية عن المحاصصة .
ج – إبعاد الجامعات عن الصراعات السياسية وإعادة هيبة ورصانة ومكانة الجامعات العراقية التي كانت مضرباً للمثل عالمياً .
ح – تعديل قانون الخدمة الجامعية وإبعاد الوظائف التدريسية في الجامعات ومفاصلها القيادية من الحزبية والتحزب ، ليكون التعيين فيها على وفق الكفاءة والخبرة
خ – تشجيع الإختراع والإبتكار والإبداع وتطوير المؤسسات البحثية وتوفير مستلزمات تطويرها ونجاحها .
د – التحول الى الحكومة الإلكترونية بإستخدام الشبكة العنكبوتية العالمية والإنترنت في ربط مؤسسات الدولة بعضها ببعض ، وربط مختلف خدماتها بالمؤسسات الخاصة والجمهور عموماً ، ووضع المعلومة في متناول الأفراد ، لبناء علاقة شفافة تتصف بالسرعة والدقة وتهدف للإرتقاء بجودة الأداء .وتطبيق تكنولوجيا المعلومات والإتصالات على الوظائف والإجراءات الحكومية بهدف زيادة الكفاءة والشفافية ، وزيادة جودة الخدمات العامة وتطوير عمليات صنع القرار ، وإتاحة فرص التواصل بسلاسة بين المكاتب الحكومية ، لتساهم في مكافحة الفساد لأنها تجعل الإجراءات الحكومية أكثر وضوحاً ، ورفع مستوى الكفاءة التشغيلية والتقليل من التكاليف الإدارية الحكومية ، وتخلق مناخاً جاذبا للإستثمار الإقتصادي والعقلي .
إن العالم يسير بسرعة متناهية نحو التطور التكنولوجي الحديث والذكاء الإصطناعي وحواسب الكوانتم (Quantum Computer) ، (التي تقوم بالحوسبة الكمية بالقدرة على الإستفادة من الخواص الكمية للجسيمات لتمثيل البيانات ومعالجتها ، فضلاً عن إستخدام قواعد ميكانيكا الكم لبناء وتنفيذ التعليمات والعمليات على هذه البيانات ) ، والتحرير الجيني(CRISPRlCas9) بأنزيمات النيكلياز المعدلة (وهي مجموعة من تقنيات التعديل الجيني من خلال إعادة "كتابة المادة الوراثية " لأي كائن من النبات والحيوان والبكتيريا والخمائر ، وهي في أول التطبيق على الإنسان) ،ستغلالس وإيجاد سبل الربط بين العلماء في أي وقت من الأوقات للإستفادة وتبادل المعلومات ، وإستثمار أي شيء في سبيل تطوير بلدانهم ، فأين نحن من ذلك ؟؟ وهل سيبقى العراق أسير التجهيل المجتمعي المتعمد ونشر الأمية والخرافات وإستغلال عوام الناس وعواطفهم أسوء إستغلال ، أم ينهض العراق من كبوته ليعود شامخاً كشموخ تاريخه ويتوقف نزيف الكفاءات والعقول العراقية ؟
الدكتور
نهاد عبد الله
25/2/2025
المصادر : د. محمد الربيعي ، هجرة العقول العراقية والعربية ، أسبابها ونتائجها وحلولها ، مركز البيان للدراسات والتخطيط ، 2014
وكالات